ضحايا الحرب في غزة , الانسان والحيوان معا

        في أواخر كانون الثاني من عام 2015، تم رفع عريضة نشرت في الصحافة العالمية سعت إلى إغلاق ” أسوأ حديقة حيوانات في العالم”. تضمنت صورا لأجسام حيوانات متحللة، وأخرى لحيوانات لا زالت على قيد الحياة لكن في أوضاع سيئة ومحزنة وملاجئ بدائية. إن هذه العريضة التي تدعو مالك هذه الحديقة لإغلاق الأبواب و “السماح للحيوانات الناجية فيها لنقلها إلى ملاذ تتلقى فيه عناية منتظمة” قد حصلت على 71 ألف توقيع. إننا نتحدث عن حديقة الحيوانات الموجودة في خان يونس- قطاع غزة.

Gaza Zooفي هذا المقال، نحن لا نسعى إلى تبرير الإهمال ومعاناة أي حيوان، كما أننا لا نؤيد أسرها في الحدائق طوال العمر. لكن، نأمل من خلال حديثنا عن حديقة حيوانات غزة في هذا السياق أن نظهر الوضع المعقد بعمق الذي تتعامل معه جمعيتنا كل يوم. إن الوضع المخيف لحيوانات الحديقة في غزة يمثل بحق التعديات على حقوق الإنسان التي لها تأثير واضح على إمكانية حماية حقوق الحيوانات وكذلك البيئة. نؤمن أن الشواغل المتعلقة بحقوق الإنسان وحقوق الحيوان يمكنا بل علينا معالجتها جنبا إلى جنب، وهذه هي الروح الأساسية لجمعية الرفق بالحيوان الفلسطينية.

في تموز عام 2014، ازداد التوتر تجاه غزة من قبل الاحتلال الاسرائيلي  وتبعها حرب كانت على نطاق واسع في غزة؛ وباتت أفتك من تلك الحرب التي شنت في 2008-2009. في الثامن من تموزعام 2014  قام الجيش الإسرائيلي في بإطلاق “عملية الجرف الصاعد”، وفي اليوم السابع عشر من الشهر نفسه دخلت القوات الإسرائيلية قطاع غزة. في ذلك العام، كمحصلة قتل ما يقارب 2200 غزي وجرح على إثرها آلاف المواطنين بسبب الهجوم الوحشي بعدما كثفت إسرائيل قصفها للمنطقة. ومع إغلاق إسرائيل المعابر والحدود، لم يتبقَ للمصابين أي طريق للخروج من أجل الحصول على العلاج الطبي، أو حتى البحث عن مفر من الهجمات المتأججة. حتى وصلت الحرب إلى نهاياتها بعد 50 يوماً من بداية الصراع وذلك عندما تم الاتفاق على وقف إطلاق النار في السادس والعشرين من آب. وفي الوقت الذي توقف فيه إطلاق المتفجرات، غزة أصبحت ركاما، أطفالٌ تيتمت، آلافٌ من الفلسطينيين أصبحوا مشردين لا مأوى لهم ولا ملبس، وتحت وطأة نقص الطعام، الغاز، الكهرباء والمياه النظيفة قد عاشوا معذبين.

ومع قدوم فصل الشتاء، زاد الطين بلةً، فأصبح وضع أهل غزة أسوأ، فلم يأمنوا برده القارص ولم تحمهم بيوتهم المدمرة  الخالية من مصادر التدفئة بما فيها الملابس الشتوية. حيث منعت القوات الإسرائيلية الكثير من المساعدات والإمدادات المحلية والعالمية من الدخول إلى القطاع.

بينما كانت غزة في هذه المحنة، لم يكن المواطنون وحدهم يناجون حياتهم، بل أيضا امتد ذلك ليشمل الحيوانات التي أصبحت ضحية المتفجرات والقصف المستهدف على القطاع. حديقة الحيوانات في غزة تم قصفها بوساطة طائرات إسرائيلية بلا طيار مما أسفر عن مقتل الكثير من الحيوانات بشكل مباشر أو وفاتها جراء المجاعات. فشهدت الحديقة مقتل أسود، قرود، نمور وأصناف مختلفة من الطيور.

محمد عوايضة، صاحب الحديقة، قال أن احتدام القتال في المنطقة قد منعه من الوصل إلى الحيوانات والعناية بهم. بينما كان عوايضة بعيدا كل البعد عن تهمة مذنب بسبب الإهمال المتعمد لهذه الحيوانات، إلا أنّ الكثيرين أجمعوا ورأوا أنه كان عليه أخذ الحيطة والحذر في هذا المكان حتى قبل بدء الحرب. على سبيل المثال، كان بإمكان عوايضة ترك طعام وماء إضافي لحيواناته؛  لكن بعدها لا أحد كان ليعرف أن تلك الهجمات المدمرة ستبقى وتستمر لخمسين يوماً. جاءت المجادلات في إطار أنه من الأساس كان لا يصح إنشاء حديقة حيوانات في غزة بسبب المخاوف والتهديدات  الناتجة عن التفجيرات والقصف التي كان لا بد وأن يكون صاحب الحديقة على علم بها، حيث أن المنطقة كلها كانت محفوفة بالأوضاع السياسية الغير مستقرة.Gaza Zoo 2

وأولئك الذين شاركونا إيمانهم بأن الحيوانات تستحق أن تعامل باحترام وأن تمنح حقوقهم، كانت لهم آراء تفيد بأنها تعارض وجود حديقة حيوانات في غزة؛ ليس بسبب التهديدات الدائمة بشن الحرب عليها، إنما بداعي أن حدائق الحيوانات في كل من غزة، لندن أو نيويورك لا تعد أماكن مناسبة للحيوانات لتعيش فيها. فالحيوانات المأسورة في حدائق الحيوان تكون موضوعة في أجواء غير طبيعية بعيدة عن ملاجئها المناخية الأصلية التي قد اعتادت على العيش والتكيف فيها لأكثر من آلاف السنين. في حدائق الحيوان، تكون الحيوانات مصدومة، محصورة ومتفرقة عن عائلاتها، ومنها ما يستخدم للعروض التي تجلب المتعة للناس عند مشاهدتها. بغض النظر عن الملاذات الواسعة، المعدة والمجهزة التي تسعى إلى إعادة تأهيل الحيوان بشكل صحيح، في الواقع إنما تعد سجونا لهم.

وبغض النظر عن موقفنا بشأن الأسر عموما، فالدعوة لنقل الحيوانات من غزة إلى ملاذ آخر جدير بالثناء……….
باستثناء الأسود الثلاثة الذين تم نقلهم إلى حديقة حيوانات أخرى خلال واحدة من اتفاقات وقف إطلاق النار متبوعة بهمة كل من الجمعية الفلسطينية للرفق بالحيوان، زملائنا في مصر وبعض المنظمات العالمية الغير حكومية، أصبحت الحيوانات غير قادرة على المغادرة مثلما لم تستطع الناس، حيث أن الحيوانات لم تستطع أن تتلقى العناية الطبية المناسبة. ربما يلام صاحب الحديقة، لكن علينا أنا نطّلع إلى ما أبعد من الأسوار المتهدمة  والحيوانات الجائعة إذا أردنا أن نرى الصورة بشكل أكبر.

فما الذي يمكن فعله؟ إن جمعية الرفق بالحيوان الفلسطينية تعمل على إرسال إمدادات طبية إلى حديقة حيوانات في نفس المنطقة، بغية تخفيف أسوأ صور المعاناة عند حيوانات. وعملنا كان له دور أساسي في رؤية الأسود تؤخذ إلى الأمان خلال فصل الصيف. إننا ندعم الاقتراح المتمثل بأن حديقة الحيوان يجب أن لا تأخذ أي حيوان آخر، لكن الدعوات إلى نقل الحيوانات إلى ملاذ ما  يعني فتح الحدود للناس والمواطنين. لكنها بالطبع معضلة وعقبة أساسية لا يمكن لنا ولا لصاحب الحديقة التحكم بها. سنواصل القيام بكل ما في وسعنا فعله لتحسين حياة جميع الحيوانات في الأراضي المحتلة، لكننا ندعو أي شخص قلق بشأن الحيوانات وسكان غزة إلى دعم جميع النداءات الدولية لإنهاء الحصار. الناس والحيوانات في غزة ستزداد أعدادها كضحايا العقاب الجماعي الذي تمارسه إسرائيل في غزة في حال استمر حصارها.

Share

Comments are closed.