حول تبجيل المجرم ولوم الضحيّة

تعليق حول إنقاذ حيوانات من حديقة حيوان في غزة

بقلم: أحمد صافي

بمجرد ذكر “غزة ” يُصبح الموضوع فاتحا للشهية وجذاباً أكثر، مغرياً مثيراً للعواطف. وحين تدمج معه قضية إنسانية مثل إنقاذ حيوانات برية من حديقة حيوان، فنحن الآن أمام مجموعة كاملة من الإثارة التي تحيط بها شرقية المكان وعنفه والدماء التي تحيط بصورته النمطية.

ولا بد من حضور بطل مثالي خالي من العيوب خارق وأسطوري أو حتى شخصية شبه خرافية يشعرنا غيابه بالعجز ووجوده بالدفء والاطمئنان ولو خيالاً، يحمل وظيفة هامة جداً تتمحور حول ملئ الفراغ الذي تركه الشر وراءه، والقيام بأمور لا يستطيع الناس العاديين مثلنا القيام بها، ومن ثم يساهم في تشكيل التفكير الجمعي للناس ويحمل قضاياهم ويقودها. لكن ماذا لو كنّا نتحدث هنا عن أبطال شكّلتهم أنظمه يحملون صورتها وشعارها على ملابسهم، يروّجون لها حتى وإن كانت قد ارتكبت الكثير من الجرائم.

لنتفق أولاً أن غزة لا تختلف- من حيث المبدأ- عن بقية بقاع الأرض، لكن لديها من المشاكل ما يختلف عن غيرها أو ما يتشابه، وفيها ما يميزها، ولكنها لا زالت على الكرة الارضية ولم تنفصل لا مكانياً ولا زمانياً ولكن ظروفها منذ 13 عاماً من الحصار مضافٌ إليه ثلاث حروب دموية دمرت كل ما يمكن تدميره، جعلتها  مختلفة حيث أصبحت تشكل جزءاً من نشرات الأخبار العالمية.

ولنتفق أنه لا يوجد أسود أصلية المنشأ في غزة وأنها- أي غزة- ليست موطناً أصلياً لحيوانات برية كالنعام وغيرها، وأنّ كل الحيوانات التي في حديقة الحيوان في رفح تم تهريبها من مصر عبر الأنفاق، حيث تُعدّ مصر أحد أسوأ الأسواق السوداء في تجارة الحيوانات البرية وتهريبها وتوالدها من أجل التجارة بعيداً عن أي رعاية أو قوانين أو إشراف.

.

.

.

.

.

ويأتي فيديو إنقاذ حيوانات من حديقة الحيوان في رفح من قبل مؤسسة أجنبية ليُخبرنا بقصة بطوليّة أن غزة هي من تُلام على وضع الحيوانات في الحديقة، وأن جيش الاحتلال الإسرائيلي هو أحد الأبطال في عملية الإنقاذ بتسهيله لعملية إخراج الحيوانات من القطاع- أو بالأحرى بسماحه لها بمغادرة القطاع .


وبهذا يكون وجود بطل أو قصة بطولية يقودها ضبّاط في جيش احتلال، في مواجهة مجموعة من الأشرار – أي الغزّيين- هؤلاء الغوغاء الذين لا تحكمهم معايير ولا أخلاق ويعملون بفكر إجرامي جمعي ويرتكبون من الفظاعات الكثير مما يستدعي من البطل التدخل من أجل انهائها كأنقاذ ضعفاء وتحرير بقعة جغرافية أو تحريرهم من العبودية وإزالة الطاغية المضطهِد. كما ويجب أن يكون هناك بقعة جغرافية مثيرة في صعوبتها ومعقدة في التعامل مع تضاريسها لترفع من قيمه البطل وتنسب له المستحيل الذي أنجزه وتشكل طليعة المفاهيم التي تبدأ بالتغلغل في عقل الإنسان حول دوره ومجموعة الصفات الحميدة التي يحملها والتي على الكل أن يدعمها ويوفر لها ما تحتاجه. وبهذا كانت حديقة الحيوان في رفح وفرقة الإنقاذ مكوّنات لقصة مثيرة تستهوي المتابعين/ات من جميع أنحاء العالم. وكان “أمير” موظّف المؤسسة الدولية المصريّ، “أمير” وهو اسم يناسب معناه دور البطل مصري الأصل الذي نسي أن يلعب هذا الدور في بلده وأن يعمل ليوقف المشكلة من جذورها وليحول دون تهريب الحيوانات إلى غزة من البداية، أو أن إدارة مؤسسته لا تريد ذلك، فغزة تدرّ مالاً أكثر وتلفت الانتباه أكثر وتجلب شهرة أكبر، وبما أن الايدولوجيا الآن صفة يجب أن تُحارب من العالم الحر ولكون غزة عبارة عن نظام أيدولوجي قائم ينسب إليه العنف والإجرام وتقييد الحريات وبالتالي فإن أي إنجاز أو تحقيق لمكاسب منه يُعد انتصاراً كبيراً مما لو كان في مكان آخر.

وهنا نرى المصطلحات التي تستخدم في مثل هذه العملية مثل “البطل ينقذ” والبطل يحرر والبطل يساعد ويتحالف مع غيره من الأبطال الذين ساهموا في نجاح مهمته. حتى خرج علينا ممثلوا المؤسسة في غزة بفيديو قصير يشكرون فيه بعضهم ويتبادلون الأوسمة. والمثير للإشمئزاز أن الجيش الاسرائيلي الذي يحاصر 2 مليون إنسان في 363 كم وما يقارب ذلك من الحيوانات خرج بنصيب من المديح في هذه الحبكة وتلقّى الشكر من المؤسسة الدولية لفتحه المعبر من أجل خروج الحيوانات.

لا بد أن نوضح جلياً موقفنا في الجمعية الفلسطينية للرفق بالحيوان أننا مع إغلاق كافة حدائق الحيوان في كل مكان  فيالعالم، حيث لا يمكن اعتبار سجن بظروف جيدة أمر مقبول أكثر منه عن سجن بظروف سيئة. نحن نؤكّد على أن الحيوانات خلقت لتعيش في بيئتها وهي ليست هنا كمصدر للربح أو للرفاهية لا في غزة أو مناطق النزاعات ولا في أي مكان في العالم.

حديقة الحيوان في رفح ليست المتبقي الوحيد من الحدائق في العالم ونحن مع إغلاقها ونبارك كل خطوة وكل من ساهم للمساعدة مالياً ومعنوياً ودعم في هذا الاتجاه، وقد كنا على تواصل مباشر مع إدارتها، ولدينا تسجيلات تُثبت أن السيد فتحي جمعة –مالك الحديقة- تواصل مع أكثر من مؤسسة من أجل أخذ الحيوانات لعدم قدرته على تحمل تكلفتها وأنه قام بخلع مخالب الشبل من أجل جذب الانتباه وجلب الأنظار لقضيته وللإسراع في التفاوض على المبلغ المادي مقابل هذه العملية. وكنا قد حذرنا مسبقاً على أهمية عدم دفع أموال لمثل هذه الصفقات، لأن من شأن ذلك أن يُشجّع على اقتناء الحيوانات والتنكيل بها من أجل المساومة عليها للحصول على مكاسب مادية لاحقاً. ونؤكد هنا أن ما حدث في رفح هو نتاج ما قامت به المؤسسة الدولية ذاتها من خطأ في علاج قصة الشبلين من مخيم الشابورة في غزة سابقاً، فهل هدف المؤسسة هو مساعدة الحيوانات حقاً بوقف هذه الممارسات ومعالجة جذور المشكلة، أم هدفها هو جمع الأموال من خلال عمليات إنقاذ لحيوانات كان من الممكن تفادي معاناتها منذ البدء؟

ألم نسأل أنفسنا يوماً: لماذا غزة محاصرة؟ ولماذا تُمنع مئات الأنواع من المواد سواء الغذائية أو المحروقات أو مواد البناء  من الدخول إلى غزة أو حتى بعض أنواع حليب الأطفال، والحجة دائماً “الاستخدام المزدوج”. لماذا كان يجب أن يكون الجيش الإسرائيلي حاضراً في هذه الرواية أيضاً وهل يمكن أن يُتوّج ويتلقى وساماً بالإنسانية؟ إنها فقط عملية لتجميل صورته في العالم وأنتم تساعدونه في ذلك.

Share