النسويّة التقاطعية في فلسطين: الدفاع عن كل المستضعفات والمستضعفين

أحلام طرايرة

النسوية التقاطعية هي اتخاذ الشخص المطالِب للمساواة بين المرأة والرجل موقفاً واحداً تجاه كافة أشكال الظُّلم بوصفها تعبيراً عن استغلال الطرف الأضعف لمنفعة الطرف الأكثر قوّة في ظلّ نظام اجتماعي واقتصادي وسياسي هيكلي. هذا الموقف يعني أن يستطيع الشخص النسوي رؤية تقاطُع الأشكال المختلفة للاضطهاد كمرآة لبعضها البعض وكسلسلة واحدة مترابطة لا يمكن علاج إحداها بمعزل عن الأخرى. نتيجة لذلك، ستكون كافة أشكال التمييز القائمة على العرق والدين والجنس والسلامة البدنية والطبقة الاجتماعية والهوية الجنسية، مجتمعةً، تُعتبر قضيّة واحدة، يُضاف إليها استغلال الحيوانات لفائدة الإنسان، سواء للأكل أو اللباس أو الترفيه أو التجارب العلمية أو مواد العناية الشخصية إلخ. بناء على ذلك، على سبيل المثال، لن يُنظر لتمييز يقع على امرأة ما من مخيم للاجئين الفلسطينيين على أنه تمييز ضد امرأة لكونها امرأة فقط، وإنما لكونها امرأة أولاً، فقيرة ثانياً، غير متعلّمة ثالثاً، مطلّقة رابعاً، تُعاني من إعاقة خامساً، وتعيش في مخيّم سادساً. النسوية التقاطعية- باختصار- هي تسليط الضوء على انعكاسات النظام الهيكلي- الأبوي- الذي يذهب في اضطهاده واستغلاله نزولاً حتى يصل الحلقة الأضعف على الإطلاق: الحيوانات.


تأتي النسوية التقاطعية لتُظهر أثر النظام الهيكلي على كلّ مناحي الحياة بحيث لا يترك طرفاً دون التأثير فيه أو عليه. ففي فلسطين، تبدأ الهيكلية بسطوة الاحتلال على مقدّرات الحياة الفلسطينية، وتكون المصلحة الإسرائيلية هي الأمر الفاصل عند اتخاذ أي قرار، الذي يكون له أثراً- بالضرورة- على الفلسطينيات/ين لكن هذا الأثر لا يملك التأثير في القرار طالما أن المصلحة الإسرائيلية تقتضي ذلك. على سبيل المثال، تم بناء جدار الفصل والضمّ لحماية أمن دولة الاحتلال ومواطنيها دون النّظر – فعلياً- لأثر ذلك على الحياة الفلسطينية بمكوناتها: البشر والحيوانات والمنظومة البيئية المتكاملة. ولأن الحياة الفلسطينية أقل أهمية، تم عزل عائلات فلسطينية كثيرة عن أقارب لهم وعن أراضيهم الزراعية وممتلكاتهم ومصادر عيشهم، كما وتم في ذات الوقت قطع الطريق على هجرة الحيوانات البريّة الموسمية. هناك الكثير من الأمثلة الأخرى التي يمكن طرحها كأثر لسياسات الاحتلال الإسرائيلي – الطرف الأكثر قوّة- التي تهدف لمنفعته من خلال السيطرة الكاملة على مقدّرات الفلسطينيين/ات ومواردهم، والتهجير القسري في مناطق جيم (أكثر من 60% من مساحة الضفة الغربية) ومنع الفلسطينيين من إقامة حياة فيها، فيما ينعم المستوطنون الإسرائيليون بكافة الموارد، يقع ضمن الأمثلة الحيّة على ذلك. 

على المستوى الفلسطيني الداخلي، تتجلّى الهيكلية في التمييز المناطقي: أفضلية أبناء المدينة مقابل أبناء القرية، وأفضلية أبناء القرية مقابل أبناء المخيم. وضمن نفس القرية مثلاً، هناك أفضلية لابن عائلة على ابن عائلة أخرى، ولابن الغنيّ على ابن الفقير. ويُمثّل القضاء العشائري أنموذجاً حياً على هذه الأفضليات الهيكلية، فالعائلة الأكبر والأغنى من مدينة الخليل ستكون طرفاً أقوى في أية قضية عشائرية مقابل عائلة أخرى أقل عدداً ومالاً في بلدة من بلدات محافظة الخليل. من جهة أخرى، جاء الانقسام السياسي بين الضفة الغربية وقطاع غزة وما تبعه من تعقيدات بعد فرض الحصار على غزة وحروب الاحتلال المتتالية على القطاع، وما سبّبه ذلك من تعميق للفقر في القطاع وفصل جغرافي واجتماعي مُمنهج بين الضفة الغربية وقطاع غزة، ومن خلق لهوّة أعطت أفضلية ما لسكان الضفة الغربية على سكان قطاع غزة تتجلّى كلما كان الإنسان الغزّي أكثر فقراً. ينطبق ذلك أيضاً على أفضلية حملة هوية القدس على حملة هوية السلطة الفلسطينية، وهذه الأفضليّة بالذات مُركّبة، فنحن هنا أمام القُدس العاصمة من جهة، وأمام انعكاس لسياسات الاحتلال من جهة أخرى، التي أعطت لسكّان القدس حريّة حركة أكبر من سكّان الضفة الغربية، مما أعطى سكّان القدس شعوراً بتفوّق ما يجعلهم مترددين- وغالباً رافضين- لزواج ابنتهم لشاب من الضفة الغربية مثلاً. هنا نرى أن قوّة دولة الاحتلال جعلت من الأكثر ارتباطاً بها من الفلسطينيين أكثر قوّة بشكلٍ أو بآخر.


على صعيد المنظومة الدينية والثقافية التي تُعطي أفضلية للرجل على المرأة، نرى أن المنفعة الفُضلى للمجتمع مُنحصرة إلى حدّ بعيد بمصلحة الرجل وتُعطي احتياجاته الأولوية على حساب احتياجات المرأة وأولوياتها. لهذا، تأتي كل مكوّنات المجتمع الأخرى- بما فيها المرأة- كعناصر قائمة لخدمة الرجل ومنفعته. على سبيل المثال، بالرغم من توقيع دولة فلسطين على اتفاقية سيداو للمساواة المطلقة بين المرأة والرجل، وبصرف النّظر عن كون هذه الاتفاقية نتاجاً للنظّام الهيكلي العالمي القائم على مراعاة مصالح القويّ، نجد أنه لم يظهر انعكاسات حقيقية في التشريعات الفلسطينية لتدعم مبدأ المساواة بين المرأة والرجل، فلا زال قانون الأحوال الشخصية كما هو ولا يزال قانون الميراث كما هو أيضاً. أذكر في هذا السياق لقاءً عُقد حول مسوّدة الدستور الفلسطيني، والذي تحدّث فيه رئيس لجنة إعداد الدستور عن أنه لن يسمح بدستور يسمح بالعلاقات خارج إطار الزواج، ولن يسمح بقبول المثلية الجنسية على وجه التحديد. تصريحات السيد رئيس اللجنة- الواثقة- ما هي إلا انعكاس لهذه الهيكلية والأفضلية المركّبة، فهو رجُل، ونافذ، وممثّل ل “الدولة”. لهذا، هو يعلم أنه لا يمثّل كافة أطياف الشعب الفلسطيني التي يقوم بإعداد دستور من المُفترض أنه يمثّلهم جميعاً، لكنه يعلم أن لديه القوّة السياسية من جهة، قوّة الثقافة الأبوية السائدة من جهة ثانية، وقوّة الأغلبية العددية من جهة ثالثة.

إدراكاً لحقيقة النظام الهيكلي القائم، لا تقتصر النسوية التقاطعية على النظر على المكوّن البشري للنظام القائم، بل يمتدّ اهتمامها إلى الحيوانات لكونها متضرّراً مباشراً من هذه الهيكلية، بل الأكثر تضرراَ لاعتبارها الحلقة الأضعف. يستمر الإنسان باستغلال الحيوانات للأكل واللباس والتجارب العلمية والترفيه بالرغم من
أن التقدّم العلمي أوجد بدائلاً فاعلة وأكثر أخلاقية. من وجهة نظر نسويّة تقاطعية، لن يكون من الممكن تجاهُل حقيقة أن الدجاجة المسجونة في قفص صغير في مطبخ عائلة في مخيّم- كما وصفتها ناشطة برازيلية- هي أنثى يتم سجنها لتُعطي بيضاً تأكله العائلة اللاجئة الفقيرة فيما هو – أي البيض- في الأصل المكان الذي تنمو أو ينمو فيه ابنة أو ابن هذه الدجاجة. في هذه الحالة، استطاعت هذه العائلة- المضطهَدة على أكثر من مستوى- سياسياً واقتصادياً واجتماعياً- أن تضطهد بدورها دجاجة، لأن هذه هي المساحة الضيٌّقة المتاحة لها للاضطهاد وفقاً النظام الهيكلي القائم. هنا تحضرني قصة مرض الشاعر أبو العلاء المعرّي، عندما أحضروا له ديكاً مطبوخاً وصفه الطبيب له، مع علمهم أن إبا العلاء كان نباتياً يرفُض استغلال الحيوانات لمنفعة الإنسان. عندها قال المعرّي مقولته الشهيرة: “استضعفوك فوصفوك. هلّا وصفوا شبل الأسد؟”. لا، بالطبع لن يوصفوا شبل الأسد، فميزان القوّة لم يكن في صالحهم.

نظراً لكل ما سبق، من شأن النسوية التقاطعية أن تتناول شواهد الهيكلية المختلفة بشكل منفصل لتخدم الفكرة العامة وهي سيطرة الأقوى على من هو أضعف منه، لتحقيق منفعة للطرف الأقوى على حساب الأضعف، وكيف يتجلّى هذا كله في السياسات والقوانين النافذة والأعراف والمعتقدات الدينية السائدة. جنباً إلى جنب مع ذلك، تجد النسوية التقاطعية أن هذه النضالات المختلفة تصبّ في ذات الهدف، وهو إنهاء لعبة القوّة هذه، بما تتمثّل به من استخدام للنفوذ وللدين وللمال وللعدد للإبقاء على قواعدها، واستبدالها بإرساء مبدأ الشراكة، الذي بالضرورة يُرسّخ لمبادئ العدالة والمساواة. هذا الالتقاء على الأهداف يجعل من هذه النضالات قضيّة واحدة، من وجهة نظر النسويّة التقاطعية، مما يجعل من الصعب تجاهُل قضيّة لحساب أخرى. الشخص النسوي التقاطعي – مع تركيز نضاله في قضايا المرأة – لكنه سينظُر بألم وسيدافع عن العامل الفلسطيني في أقفاص المعابر في ساعات الفجر الأولى بحثاً عن قوت يومه، وسينظُر بألم وسيدافع عن الطفل الذي يبيع على إشارة ضوئية في نهار يوم قائظ، وسينظُر بألم- بذات الدرجة-  وسيدافع عن كلب شارع هزيل يبحث عن طعامه بجانب حاوية قمامة أو مجموعة من الخراف في شاحنة أمامها/ه ذاهبة للمسلخ. هذا لسبب بسيط، أن كل من هؤلاء ضحيّة للنظام الهيكلي القائم على تحقيق مصالح القويّ. النسويّة التقاطعية تناضل ضد الاحتلال الإسرائيلي بذات الدرجة التي تناضل فيها ضد كافة أشكال الاضطهاد الأخرى.

Share